تشير التشوهات في مؤشرات الأمن الغذائي التي أحدثتها مجموعة السياسات
خلال الحقبة الماضية، إلّا أنّه من الصعب معالجتها وفق برامج الاصلاح الاقتصادي
التقليدية في ظل الأوضاع العربية التفكيكية الراهنة من ناحية،
أ
و رفق سيادة المناخ النيوليبرالي في العديد من بلدان العالم من ناحية أخرى،
ولا سيما أن التحوّل من "عالم متغير" يخضع لـ "الحقيقة الاقتصادية للتاريخ" إلى
"تغيير العالم" وفقا لعوامل ومتغيرات تتخذ قرارها مقدما للاتجاه نحو النيوليبرالية،
سيؤدي إلى خلق القيود أمام تغيرات مستهدفة في اقتصاديات البلدان العربية، وبخاصة
أنّ "فائض القيمة الرأسمالية" في إطار النظام النيوليبرالي أصبح مهيمنا على اقتصاديات
البلدان النامية في العالم للحفاظ على العلاقة غير المتكافئة بينهما، وأوجد تطور الاقتصاد الرأسمالي في الزمن الراهن انفصاما بين السياسة من جانب، والاقتصاد من جانب آخر في الولايات المتحدة، وأصبحت الأخيرة الامبراطورية التي تعمد على السوق بعيدا من الرّقابة السياسية (الدولة) إلى حدّ بعيد. وأصبح أمام الاقتصاديات العربية خيار قومي (وطني)
ذات بُعد واحد وهو "المشروع النهضوي العربي" لتغيير المسارات التنموية الراهنة
نحو برنامج يعمل على إزالة التشوهات السابق الاشارة إليها،
والتوجه نحو اقتصاد يأخذ بنظر الاعتبار مسألة التنمية البشرية والانسانية وتوفير
الحاجات الاساسية وإزالة الفقر والبؤس في المجتمع العربي، والخروج من دائرة
الركود والتباطؤ إلى حالة التغيير الديناميكي في النشاطات العربية المختلفة التي يعد
الاقتصاد أو أمنه الغذائي جزءًا منها، فضلًا عن تزايد مقدرتها على حماية اقتصادها
من الهيمنة النيوليبرالية وتطلعاتها التوسعية.
بعبارة أخرى، تصعب معالجة مسألة الأمن الغذائي العربي بصورة منفردة، لوجود
ترابطات أمامية وخلفية متعددة بين مختلف النشاطات الاقتصادية، يعد إنتاج الغذاء
جزءًا منها، ولهذا أصبح خيار المشروع المذكور مسألة حتمية إن كان الهدف
هو تحقيق الأمن الغذائي العربي.