حرمة تلوث المياة

لا شك أن الماء هو أساس الحياة وعلى الرغم من كثرة المياه إذ تغطي أكثر من سبعة أعشار الكرة الأرضية ، إلا أن الماء العذب الصالح لحياة الإنسان لا يزيد على 1% فقط من مجموع الماء في الكرة الأرضية. ورغم أهمية الماء لجميع الكائنات الحية فإنه لم يسلم من أذى الإنسان وأصبح تلوث الماء أكبر مشكلة تواجه البشرية.
فقد أخطأ الإنسان خطأ كبيراً عندما اعتقد في الماضي أن المياه الكثيرة التي تحيط بالكرة الأرضية هي أنسب مكان لإلقاء الفضلات ومخلفات المدن والمصانع ، وقد أدى ذلك إلى انتشار الأوبئة مثلما حدث لمدينة لندن (1849 – 1853م) عندما اجتاحها وباء الكوليرا بسبب تلوثنهر التيمس. وتتنوع مصادر تلوث المياه وتتزايد بمرور الوقت ومنها فضلات الصرف الصحي والقمامة ونفايات المصانع ... وهذه الأخيرة غنية بالكيماويات السامة ومنها فلزات ثقيلة ونظائر مشعة يمكن أن تنتقل إلى الإنسان عن طريق السلاسل الغذائية. ويضاف إلى مصادر تلوث الماء المياه الساخنة التي تؤثر على الأحياء البحرية .. وإذا تلوث الجو سقط في المسطحات المائية الكثير من الملوثات الكيميائية مع الأمطار. وأضيف مؤخرا التلوث بالنفط الذي بدأ يصيب البحار والمحيطات مع تزايد حركة مرور ناقلات النفط العملاقة والتي تلقي بفضلاتها في المياه إلى جوانب حوادث التسرب وخلافه. وعلى الرغم من أن التلوث الحالي لم يكن له وجود في صدر الإسلام لأن أنشطة الإنسان وقتها لم تكن لتحدث أقل نسبة من التلوث بصورته الكئيبة الحاليةرغم ذلك فإن التشريعات الإسلامية كانت قاطعة ومانعة لأي تلوث مهما كان قليلافعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه " قال العلماء : والتغوط في الماء كالتبول فيه وأقبح ، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء .. وكذا إذا بال بقرب النهر بحيث يجري إليه البول فكله مذموم قبيح منهي عنه ، ويكره التبول والتغوط قرب الماء وإن لم يصل إليه بعموم ، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البراز في الموارد ولما فيه من إيذاء المارين بالماء ولما يخاف من وصوله إلى الماء . وغني عن البيان إن هذا الحديث الشريف ينطبق على كل مصادر التلوث لأن كل ما يحتمل أن يؤذي الناس أو البيئة منهي عنه. ترى كيف يكون شكل العالم لو طبقت هذه المبادئ ، وكيف تكون أحوال البيئة لو عرف الناس أن تصريف الملوثات في الماء حرام شرعاً. لذلك تتبنى كثير من الدول والمنظمات وضع ميثاق كأحد مواثيق حقوق الإنسان لأخلاقيات استخدام مصادر المياه والماء من أعظم نعم الله ، فهو مصدر الحياة والنقاء والطهارة فقال الله تعالى " وجعلنا من الماء كل شيء حي " سورة الأنبياء آية 30 لذلك يجب أن يحكم استخدامه الأخلاقيات السليمة والعمل على إيجاد نظم سليمة للتخلص من مياه الصرف وطرق معالجته حتى نضمن الاستفادة القصوى منه ، فقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من أمراض المياه قبل اكتشافها فحذر صلى الله عليه وسلم من الاستحمام في مياه راكدة (مسلم) ، ومن شرب المياه من فم قربة المياه (البخاري). كما بين الإسلام إذا كان هناك ضرر من صرف مياه الصرف على المجاري المائية القابلة للاستخدام فيمنع صرفه في حديثه صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار). وقد بين الإسلام أهمية ترشيد استخدامات الماء وحمايته فقال تبارك وتعالى " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " سورة الأعراف آية 31 فقد أوضح الله تعالى أنه يجب الحفاظ على الماء وعدم ضياعه والمحافظة عليه من التلوث حيث أن الترشيد مبدأ أهتم به الإسلام فقال الله تبارك وتعالى
" إن المبذرين كانوا أخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا "( سورة الإسراء آية )27 ويجب العمل على الاقتصاد في استهلاك المياه ، فمثلاً للحد من الإسراف في مياه الري الزراعي ينصح بالري ليلاً أو في الصباح الباكر لتجنب التبخر والاستعانة بوسائل الري الحديثة واختيار النباتات التي تحتاج إلى كمية قليلة من المياه. لذلك يجب أن يكون هناك إدارة متكاملة للموارد المائية وإن هناك بعض الآراء لخصخصة إدارة المياه ، لذلك نوجه جميع المسئولين بالحذر الشديد عند دراسة موضوع الخصخصة لزيادة كفاءة أستخدام المياه حيث أن عنصر المياه له أبعاد اجتماعية واقتصادية وبيئية ، ولذلك فإذا تم النظر للمياه على إنها سلعة تباع وتشترى مما يكون له أثره على هدم البعد الاجتماعي البيئي للمياه ، كذلك يجب أن يراعى عدالة التوزيع وضمان حصول الجميع على خدمات المياه والإدارة المتكاملة للمياه كما أشرنا يجب أن تهدف إلى تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي دون الإضرار بالاتزان البيئي مع الأخذ في الاعتبار الأسس الأخلاقية لتوزيع المياه بعدالة بحيث تعود بالنفع على المجتمع كله وعلى نصيب كل فرد من الدخل القومي. ولذلك يجب نشر الوعي المائي وهذا يقع على عاتق العلماء والمفكرين والباحثين ووسائل الإعلام ورجال التعليم في المدارس والجامعات لبث القيم والسلوكيات القويمة من أجل الاستغلال الأمثل لكل قطرة مياه والمحافظة عليها من الإهدار والتلوث. كما أن الترشيد في استخدام المياه واجب قومي لأن ملايين الأفدنة من الأرض تحتاج إلى كل قطرة ماء لريها وزراعتها. والاعتدال في استعمال الماء مطلوب حتى في الوضوء ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمد ويغتسل بصاع ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا يتوضأ فقال : " لا تسرف لا تسرف " (رواه أبو داود) ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال له : " ما هذا السّرف ؟ " فقال سعد : " أفي الوضوء إسراف ؟ " فقال النبي : " نعم ولو كنت على نهر جار " (رواه عبد الله عن عمر رضي الله عنهما)
لذلك ترك صنبور الماء مفتوحاً بدون داع إهدار لنعمة الله وحولنا شعوب تموت بسبب حاجتها إلى قطرة الماء.

الموضوع الأصلي: حرمة تلوث المياة || الكاتب: أ.د/محمد زكى || المصدر: منتديات الملكـة للجودة

كلمات البحث

أخصائي المسؤولية المجتمعيةSR- مستشار جودة معتمد للسيدات والرجال- إعداد وتأهيل مديرات مكاتب الإدارة العليا- منح شهادة الآيزو9001:2008