التعريف بالجودة فى المجال الطبي والبحث العلمي

إن أهمية توافر معايير الجودة فى كل مجالات الخدمات، ومن ضمنها مجال العمل البحثى والصحى ودور هذا فى الارتقاء وتطوير مجال البحث العلمى، وذلك من خلال التعرف على هذه المعايير وكيفية تطبيقها،
وذلك من خلال عدة محاور:

1- المحور الأول التعريف بتاريخ وكيفية بداية التفكير عالمياً فيما يسمى بالجودة وفلسفة الوصول للأفضل سواء فى تقديم الخدمة الصحية أو فى توفير المعايير المناسبة لتحقيق أقصى قدر ممكن من العوامل المساعدة على الارتقاء بأى خدمة، سواء كانت صحية أو إنتاجية أو خدمية أو تخص البحث العلمى، حيث إن الكثيرين يتخيلون أن معايير الجودة ما هى إلا مواصفات توضع لإنتاج سلعة أو منتج يتداوله الناس، فيجب أن تتوافر به عدة مواصفات، وهذه فقط هى الجودة، وهو اعتقاد خاطئ، حيث إن معايير الجودة أصبحت اليوم من أساسيات أى عمل خدمى أو إنتاجى يقدم خدمة أو سلعة وأى شىء يتعلق بتقديم خدمة أو يتعامل مع جمهور سواء كان جمهورًا محدودًا أو أكثر من جهة فالرغبة فى توافر معايير الجودة لأى مؤسسة أو هيئة أصبح مطلباً أساسياً ليس لتحسين الخدمة أو المنتج فقط بل لإعطاء الفرصة للهيئة أو المؤسسة على التنافس مع الهيئات أو المؤسسات التى تقدم خدمات مماثلة وهذا ينطبق بطبيعة الحال على الهيئات التى تقدم خدماتها بالمجان أو بأسعار رمزية أو حسب آليات السوق لأن المنافسة بين الهيئات أو المؤسسات التى تقدم خدمات متماثلة هى من أهم الأسباب التى تشجع على التنافس على توافر معايير الجودة الدولية بها مما يحقق تقديم خدمة متميزة يتلقاها المستفيدون منها ونخص بالذكر هنا مجال البحث العلمى مما يعود على المجتمع والدولة بالإيجاب، وتمت الإشادة بما أنجزته بعض الدول العربية فى هذا المجال سواء فى المجال الصحى أو مجال البحث العلمى وتشجيعه وما انعكس على الطفرة العلمية والصحية التى ظهرت فى بعض البلدان العربية خلال الــ 10 سنوات الأخيرة، حتى وإن كان المال هو أحد العوامل المساعدة فى ذلك فهو لا ينتقص من هذا الإنجاز لتلك الدول بل يزيدها، حيث إنها قد وظفت مواردها لما فية الخير لمستقبلها ولتزاحم بعض الدول الأوروبية فى المجال العلمى والبحثى والصحى.

2- المحور الثاني التعريف لمفهوم تحقيق الجودة وهو يتلخص فى جملة بسيطة جدًا وهى تقديم أفضل ما يمكن من خدمة أو إنتاج متميز فى صورة ممتازة ومقبولة فى الوقت المناسب المطلوب بمعنى أننا إذا كنا نطبق معايير الجودة فى أى مجال فإننا سنستطيع أن نقدم المنتج أو الخدمة المطلوبة على أحسن وجه وعلى أدق حالة فى الوقت الذى يحتاج فيه المستفيد (وهو المجتمع) من هذه الخدمة فى الوقت المناسب فعلاً لاحتياجاته، حيث إن تقديم أى خدمة مهما كانت مواصفاتها ممتازة وعلى درجة عالية من الإتقان لن يكتمل لها النجاح إلا إذا جاءت هذه الخدمة فى الوقت والمكان المناسبين والمطلوبين وتم تشبيه ذلك بالمريض المصاب بورم ما ويحتاج إلى إجراء عملية جراحية صعبة، ولكن تأخر اتخاذ قرار إجراء العملية لفترة طويلة ثم بعد ذلك وبعد انتشار الورم فى أجزاء أخرى متفرقة بالجسم تم إجراء العملية الجراحية المطلوبة له وعلى درجة كبيرة من الإتقان وعلى أيدى أمهر الجراحين، ولكن بعد فوات الأوان وانتشار المرض بالجسم مما يعنى أن المستفيد الأول من هذا العمل وهو هنا المريض لم تتحقق الاستفادة الكاملة المطلوبة”.

3- المحور الثالث أنه لكى نطبق معايير الجودة فى أى مجال وليكن مثالنا مجال البحث العلمى يجب أن يكون لدينا الإيمان بحتمية وأهمية تطبيق هذه المعايير سواء من القيادات أو العاملين بالمجال ثم فى نفس الوقت نحدد جديًا وبصورة محددة فى البداية الهدف المطلوب من البحث العلمى وهيئاته ومراكزه أو ما يعرف بالـــ target)) وفى هذه الحالة يكون هو هدف قومى ومحدد والمطلوب من الجميع التكاتف من أجل تحقيقه وفى هذه الحالة نستطيع أن نبدأ فى عملية تقييم هذه المراكز والهيئات وتصنيفها طبقا لبنيتها الأساسية من أدوات وكوادر بشرية وإمكانات وهل تستطيع بما هى عليه لحظتها من تقديم المطلوب منها أم تحتاج إلى عملية إعادة تقييم وتحديث لدورها فى العملية البحثية تبعًا لخطط الدولة المستقبلية وما تبغيه الدولة من هذه المراكز والهيئات سواء كان هذا التحديث فى البنية الأساسية للهيئة أو فى قدراتها.

4- ثم بعد تحديد الهدف يأتى المحور الرابع والذى يبدأ بتسمية المعوقات والسلبيات (errors) والتى تواجه العملية البحثية من أجل تجميع هذه المعوقات ثم يأتى دور ترتيب هذه المعوقات حسب قوة تأثيرها أو حسب تكرار الشكوى منها سواء من العاملين فى المجال أو المستفيدين من هذا العمل لمعرفة ما هى أكثر المشاكل أو المعوقات حدوثا وتكراراً والتى يتأثر بها العاملون بالمجال بل والمستفيدون وكل المتعاملين مع الهيئة أو المركز.

5- ثم يأتى بعد ذلك دراسة كل مشكلة أو معوقة على حدة ومعرفة تفاصيلها من كل المتعاملين مع هذه المشكلة لمعرفة أدق التفاصيل للمعوقات ودراستها وتجميع هذه السلبيات فى إطار تسلسلى حتى يتسنى رصدها.

6- ثم بعد ذلك يتم ترتيب هذة التفاصيل والعمل على حل أكثر المشاكل تكرارًا وليس كل المشاكل أو السلبيات وذلك من خلال العاملين أنفسهم أو من خلال المستفيدين من هذا العمل أو حتى من خلال إحداث متغيرات فى تطبيق العمل نفسه حيث إنه من المتعارف عليه أن حل المشاكل أو السلبيات الأكثر تكرارًا يكون من شأنه الارتقاء بالعمل والخدمة والتقليل من السلبيات بما يوازى 70 – 80 % من المعوقات على الأقل.

7- ولا يتوقف الحال عند حل هذه المشاكل أو تطبيق معايير الجودة فقط بل من أساسيات تطبيق معايير الجودة فى أى مجال هو العمل على المتابعة المستمرة وتحديث الأهداف والمعايير طبقاً لما يستجد من متطلبات أى أن المطلوب إنجازه وتحقيقه اليوم قد يكون أقل بكثير مما يفرضه الواقع علينا غدًا، فمعايير الجودة ليست خطًا ثابتًا بل هى متطلبات ومتغيرات تبعا للاحتياجات والأولويات والتى تتغير من وقت إلى آخر تبعاً للظروف المحيطة والمؤثرة فى المجال المطلوب الارتقاء به.

8- بعد ذلك يبدأ المحمور الإنجازى المهم والذى يعنى بكيفية الحصول على علامات الجودة وشهادات إجازة الجودة العالمية وشرط الحصول عليها وأن الحصول عليها ليس هو الهدف بل المحافظة على هذا التصنيف بالمتابعة والتحديث طبقًا للمتغيرات الدولية هو الهدف كى نتساوى مع المراكز العالمية فى التصنيف.

9- ومن المعروف في هذا المجال أن النجاح فى حل أو التخلص من أقل من 50% من المشاكل أو المعوقات يمكن أن يوجهنا إلى الارتقاء بمستوى عمل المؤسسة أو الهيئة بنسبة لا تقل عن 75% أي أننا ببساطة يمكننا من الارتقاء بالخدمة بنسبة 75% وهى نسبة جيدة جدًا من خلال تقديم الحلول لإزالة أقل من 50% من المعوقات مما يعنى أن الارتقاء بأى عمل ما يمكن أن يتحقق من خلال القضاء على أقل من 50% من المعوقات التى تقابله مما يعنى أنه بالعمل الدءوب والعلمى يمكننا أن ننهض بأى مؤسسة خاصة مؤسساتنا العلمية والبحثية.
ولن يتأتى نجاح أى مؤسسة علمية أو بحثية أو صحية أو حتى صناعية فى القضاء على سلبياتها وإخفاقاتها ثم فى تحقيق أهدافها إلا من خلال إيمان القيادات (قيادات العمل) وكذلك العاملون بالعمل على تطبيق هذه المعايير وهذا لن يتأتى إلا من خلال الاستماع بجدية للمشاكل والمعوقات التى تواجه العاملين والمتعاملين مع هذة المؤسسة وآرائهم فيها، مع إعطاء العاملين مساحة من حرية اتخاذ القرار كل فى نطاق تخصصة ومسئولياتة (وهو ما يعرف عند البعض باللامركزية فى اتخاذ القرارات) مما يرقى بقدراتهم فى اتخاذ القرارات ويحببهم فى أعمالهم بصورة أفضل ويعظم أهمية وفاعلية العمل الجماعى أو ما يعرف (team work) وأن العمل يسير فى صورة منتظمة ولن يعرقله تغيير أشخاص لأن النظام المتكامل والذى يعتمد على معايير الجودة لن يتأثر بتغيير أو تعيين فرد جديد لأنه سيندمج فى نظام عمل المؤسسة أو الهيئة بصورة آلية طالما أن حدود واجباته معروفة ومحددة، كما يجب أن يعلم الجميع أن العمل على متابعة وتوافر معايير الجودة وتحديثها لا يعنى تخويف أو ترويع العاملين بالمؤسسة أو الهيئة عند حدوث أى خلل بل هى من أجلهم للارتقاء بمؤسساتهم والذى بالتبعية يرفع من قدرهم وقدراتهم بين المؤسسات المثيلة لهم، كما أنه من المهم أن يكون فى كل مؤسسة أو هيئة صحية أو بحثية أو فى أى من مجالات تقديم الخدمات سواء للجمهور أو لغيرها من الكيانات الأخرى قسم أو وحدة أو فريق عمل مقاييس الجودة ويكونون من المؤهلين فى هذا المجال وأن يكون لهم حرية المتابعة وإبداء الملاحظات والعمل على تلافى السلبيات وأن يكونوا على أهبة الاستعداد فى أى وقت تتطلبه احتياجات المؤسسة أو الهيئة لعمل مشروع للارتقاء بمعايير الجودة بمؤسساتهم كما كانت هناك ملاحظة مهمة جدًا وهى الاستفادة من الخبرات المتواجدة بالمؤسسة وتفعيل روح العمل الجماعى بين القيادات والمسئولين وبين العاملين بفرق الجودة من أجل الارتقاء بالعمل البحثي.

المصدر : جريدة اليوم