المسؤولية الاجتماعية والبيئة المحلية

د. عبد العزيز الغدير

من أقرب تعريفات المسؤولية الاجتماعية إلى عقلي تعريف مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة للمسؤولية الاجتماعية للشركات بأنها ''الالتزام المستمر من قبل منظمات الأعمال بالتصرف أخلاقيا والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والعمل على تحسين نوعية الظروف المعيشية للقوى العاملة وعائلاتهم، إضافة إلى المجتمع المحلي والمجتمع ككل''، وهو تعريف يتحدث عن مسؤولية منظمات الأعمال الأخلاقية عن مزج أهدافها بأهداف التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة لموظفيها وأفراد المجتمع.







ولا شك أن أصحاب العمل الأذكياء الذين يسعون إلى تحقيق نمو مستقر لأرباح منظماتهم التجارية يعلمون مقدار المنفعة من وراء النهوض بمسؤولياتهم تجاه المجتمعات التي ينشطون بها ذلك أنهم يدركون أن نمو وتطور وتوسع أعمالهم في الدول النامية ذات الأسواق الناشئة مرتبط بنمو المجتمع حولهم، وأن قوة منظماتهم التنافسية في الدول المتقدمة والأسواق الناضجة تتطلب تعزيز صورتهم أمام عملائهم كمساهمين في تنمية المجتمع من باب المسؤولية الاجتماعية.



وبالتالي فإن الكثير من مجالس إدارات الشركات المساهمة وملاك الشركات الكبرى والمتوسطة وحتى الصغيرة في بلادنا يرغبون في النهوض بمسؤولياتهم لخدمة المجتمع ومنهم من يفعل وفق مرجعيات ومنهجيات علمية ومنهم من يفعل بغير ذلك، ومنهم لا يفعل رغم رغبته لأنه لا يعرف كيف يقوم بذلك في سوق ناشئ لا يرى طالبي خدمة المجتمع من الشركات إلا من خلال الدعم والرعايات المالية دون أدنى التزام تجاه الجهات المانحة أو الراعية.


ومن غرائب السوق السعودية في ممارسة الشركات لمسؤولياتها الاجتماعية أن الكثير من الشركات الكبرى ما زالت تمارسها وفق مفهوم التكافل الاجتماعي بين الأفراد الذي حثنا عليه ديننا الإسلامي الحنيف حيث تعتقد أن المسؤولية الاجتماعية تنحصر في دعم الأعمال الخيرية والاجتماعية من باب طلب الأجر والبركة أولاً ثم تعزيز الصورة ثانياً، بل إن البعض يقوم بدوره في خدمة المجتمع طلباً للأجر بسرية خوفاً من الرياء، كما الكثير ممن يخلطون بين الملكية والإدارة يخلط بين المسؤولية الاجتماعية للشركة التي يملكها وعائلته وبين مسؤولية في التكافل الاجتماعي كفرد في مجتمع.


في مقالة نشرها في 5 يونيو 2013 دايفيد رونيغارد، كبير الزملاء الباحثين في المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال في مجلة ''أريبيان بزنس'' بعنوان ''المسؤولية الاجتماعية للشركات في العربية السعودية: هل هي في تراجع أم أنها تتخذ منحى آخر؟ ''قال فيها'' إن المسؤولية الاجتماعية للشركات في الشرق الأوسط تتميز إلى حدٍّ بعيد بعقلية الأعمال الخيرية. ولهذا فمن السهل على المحللين الأجانب أن ينظروا إلى المبادرات الحالية المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات في المنطقة باعتبارها عتيقة الطراز، وإلى الشركات في الشرق الأوسط باعتبارها ''متخلفة'' في تفكيرها حول المسؤولية الاجتماعية للشركات''.


وأضاف أنه حضر في شهر ديسمبر 2012 مؤتمرا عن المسؤولية الاجتماعية للشركات في السعودية عقد في مدينة الجُبيل توصل مما طرح أثناءه من مشاركات من الشركات التي نهضت بمسؤولياتها الاجتماعية أن المسؤولية الاجتماعية بالنسبة لها ما هو إلا شكل من أشكال الزكاة التي تخرجها تلك الشركات، وذلك ما يفسّر اهتمام المسؤولية الاجتماعية للشركات في المنطقة بالأعمال الخيرية بخلاف المفهوم الجديد للمسؤولية الاجتماعية للشركات الذي يهتم بالتخطيط لإيجاد طرق لتحقيق الملاءمة بين مصالح المساهمين بطريقة تحقق الربحية وبين البقاء على المدى الطويل.


والسؤال هو ماذا يجب على الشركات المحلية للنهوض بمسؤولياتها الاجتماعية؟ هل تلتزم بمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات الذي نشأ وتطور في الدول الرأسمالية الغربية؟ أم ينهض بها من خلال مفهوم التكافل الإسلامي الذي شرعه وحثنا عليه ديننا الإسلامي الحنيف؟ أم عليها أن تُكيف المفهوم الغربي للمسؤولية الاجتماعية للشركات ومزجه بمفهوم التكافل الاجتماعي ومفهوم الصدقات وما يترتب عليها من الأجر والبركة؟


كما هو معروف فإن أي مفهوم ينشأ في بيئة معينة ويرتحل إلى أخرى لا بد أن يتم تكييفه مع البيئة الأخرى ليتلاءم مع ظروفها ومعطياتها وإلا فإنه لا يكون فاعلاً مهما كان ناجحاً في البيئة التي نشأ بها، ومفهوم المسؤولية الاجتماعية ينطبق عليه ذلك، وحيث إن هذا المفهوم نشأ في الغرب الصناعي حيث تجني الشركات الكبرى أرباحاً كبيرة جداً وتخلف الكثير من الآثار السلبية في موظفيها وعائلاتهم وفي البيئة بما تخلفه من ملوثات ونفايات صناعية وتحدثه من عادات وتقاليد سلبية وغير ذلك، وحيث المنافسة الشديدة بين الشركات المحلية والخارجية التي يسعى كلٌ منها لكسب العملاء الأمر الذي ولد مفهوم المسؤولية الاجتماعية لمعالجة الآثار السلبية من ناحية ولكسب ولاء العملاء من ناحية أخرى.


بمعنى أن تحمل الشركات لمسؤوليتها تجاه المجتمع وتجاه البيئة هو خيار حتمته التطورات وثقافة العميل الشرائية، إضافة إلى بحث الموظفين المؤهلين عن شركات تقدم مواردها البشرية وفق مبادئ المسؤولية الاجتماعية، ولذلك أصبح النهوض بهذه المسؤولية مخططاً لا عشوائياً.


من الواضح أن الغرب لا يفكر بشيء اسمه الأجر والثواب والبركة التي تحل على المنشأة وملاكها بسبب الزكاة والصدقات، وبكل تأكيد فإننا كمسلمين تشكل علاقتنا بالله وما وعدنا به من الأجر والثواب في الآخرة والبركة التي تحفظ صحتنا وتزيد أموالنا ''ما نقص مالٌ من صدقة بل تزده'' حجر الزاوية في خدمة المجتمع، وبالتالي فإن الكثير من ملاك الشركات المساهمة والعائلية والفردية تعمل بشكل رئيسي انطلاقا من المفاهيم الإسلامية، وبدأ البعض بالخلط بين المفهوم الغربي والمنطلقات المحلية، وأعتقد أنه حان الوقت لإيجاد مفهوم جديد للمسؤولية الاجتماعية ينطلق من بيئتنا ولا ضير ولا عيب في ذلك بل إنه أمر محمود حتى لدى الدوائر الاقتصادية الغربية، وكلي ثقة بالعاملين في الحقل الإداري خصوصا مراكز البحوث والدراسات في جامعاتنا القيام بهذه المهمة وفق معايير مرجعية.