ظل الوخز بالإبر منحصراً آلاف السنين فيما وراء جدار الصين العظيم وما كان انتقاله إلينا إلا بمحض الصدف والمفاجآت، وهذا من حسن الحظ، لا سيما ان الطب الصيني أثبت على مر التاريخ أنه كنز حقيقي، لا سيما ان له القدرة على معالجة الكثير من الأمراض الجلدية والربو والحالات المستعصية، معتمد على نقاط فعالة في الجسم. ليظل سر الاستشفاء بالإبر كامناً في المحافظة على التوازن بين جهاز العصب الإرادي والعصب اللاإرادي، وفي حالة اختلال هذا التوازن ساءت صحة الجسم.


ولادة

اعتمد الشعب الصيني على الوخز بالإبر قبل 5 آلاف عام، حيث كان يقطن هذه الديار قوم رُحل، مناطقهم باردة ولا يرغبون بالكشف عن أبدانهم أثناء العلاج، فلاحظوا أن التدليك أو الضغط على بعض المناطق المكشوفة من أبدانهم مثل اليدين أو القدمين أو الوجه يشفى بواسطته من الأمراض، فتعرفوا على كثير من النقاط التي تربطها علاقة مع كثير من الأمراض، ورسموا خرائط هذه النقاط كما دونوا أسماء الأمراض التي تقابلها وتشفى بعد تدليكها.
وقد كشفت الحفريات والآثار الجيولوجية أن الصينيين استخدموا في البداية الإبر التي يستخرجونها من الأسماك، إلى جانب الإبر الخشبية أو العاجية، ومع تطور الأيام اعتمدوا على الإبر المعدنية والفولاذية، وحالياً فإنهم يستعملون الإبر الفضية والذهبية في علاجهم وعملياتهم.

زيارة الرئيس

بقي الوخز بالإبر سراً كامناً في الصين لآلاف السنين، وقد شاءت الظروف أن تنتقل أخبار الصينيين إلى الغرب في ربوع القرن السابع عشر والثامن عشر ميلادي، حيث أعجبوا به وأنشؤوا له المدارس والأكاديميات، وبدأ تدريسه في كل من جامعات فيينا وألمانيا وباريس وبريطانيا، أما الأميركيتان فلم تهتما بهذا الأمر إلى أن زار الرئيس الأميركي نيكسون جمهورية الصين مع وفد ضخم، فأخذتهم الحيرة فيما شاهدوه من علاج الحالات المستعصية وشفائها دون تخدير معتمدين فقط على الوخز بالإبر بصورة فنية، ما أذهل الأطباء المرافقين للرئيس الأميركي وجعلهم يدعون لاستعماله في كثير من دول العالم.

ألم المعدة

سبق للصينيين أن اكتشفوا نقاطاً فعالة في جسم الإنسان، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما يشكو أحدهم من ألم معدته، يقوم المعالج بوخز الإبرة في نقطة معينة وسط صيوان الأذن، كما يغرسها بعمق وبشكل متواتر ذات اليمين وذات الشمال، حتى يزول الألم بطريقة مذهلة، والسبب في ذلك هو أن هذه النقطة تحديداً حين يتم وخزها بالإبرة تعمل على تهيج النسيج المحيط بها، ما يسبب إفراز مادة «الأندروفرين» وهي مادة مسكنة أو مخدرة للألم، بحيث تتجه إلى مركز النخاع الشوكي حيث يتم إيقاف الألم تماماً.

خريطة الأذن

ما يدهش حقاً قيام الصينيين برسم خريطة خاصة بالأذن والنقاط التي تتجاوز 200 نقطة، حيث إن تركيب الأذن ووضعها يشبه الجنين المقلوب، وكل نقطة داخلها لها ارتباط وعلاقة مع نقطة تقابلها في الجسم، حيث ذكر علماء الوخز بالإبر أن جميع مسارات وقنوات الجسم مصبها ومركزها في الأذن، ويلاحظ أن النقاط التي تمثل الأعضاء السفلية موقعها في أعلى الأذن مثل الأقدام والسيقان والركب، وأن النقاط التي تمثل الأعضاء العلوية موقعها في أسفل الأذن مثل الرأس والعين واللسان.