استغفار الصحابة وتوبتهم
لم يكن الصحابة -رضي الله عنهم- ملائكةً معصومين عن الخطأ، بل كانوا بشراً، ومن الممكن أن يُذنبوا ويُخطئوا، ولكنّهم كانوا لا يؤخّرون الاستغفار والتوبة، فقد كانوا يعلمون أنّ التوبة حتى تكون متقبّلة لا بُدّ أن تكون سريعة، كما أنّهم كانوا يعلمون أنّ كلّ ذنب جهالة، ومن القصص التي تبيّن صدق توبتهم واستغفارهم ما حدث بحصار رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لحصون بني قريظة عندما خانوا عهد المسلمين، وبعد خمس عشرة ليلةٍ من الحصار دبّ الرعب في قلوب اليهود، وطلبوا من النبي أن يُرسل إليهم رجلاً من الصحابة؛ ليتفاوضوا معه، واختاروا أبا لبابة رضي الله عنه؛ طمعاً بأن يكون رحيماً عليهم؛ لأنّه كان حليفهم في الجاهلية، وكان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قد قرّر قتل يهود بني قريظة؛ جزاءً لهم على خيانتهم التي كادت أن تستأصل المسلمين في المدينة، وقبل أن يُرسل أبو لبابة إليهم، حذّره من أن يخبرهم بهذا القرار، ثمّ ذهب إليهم أبو لبابة -رضي الله عنه- فلمّا دخل إليهم استقبله رجالهم، وقامت نساؤهم وأطفالهم يبكون في وجهه، فرقّ لهم، حيث كانت تجمعه بهم علاقات سابقة، فقالوا: (يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمّد صلّى الله عليه وسلّم؟)، فأجابهم بلسانه قائلاً: (انزلوا على حكمه)، وأشار إلى حلقه؛ قاصداً أنّه سيذبحكم، فأفشى سرّ رسول الله، وخان عهده، فقال أبو لبابة: (فوالله ما زالت قدماي من مكانهما، حتى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله)، فعلم أنّه قد أذنب ذنباً عظيماً، ورغم ذلك لم يتردّد في الإسراع إلى التوبة، فتوجّه أبو لبابة إلى المسجد، ولم يذهب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ ربط نفسه في أحد أعمدة المسجد، وعزم على ألّا يفكّ نفسه، إلّا إن فكّه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بعد أن تنزل توبته من عند الله تعالى، ولمّا وصل الخبر إلى النبي قال: (أما لو جائني لاستغفرت له، فأمّا وقد فعل ما فعل، فما أنا بالذي يطلقه حتى يتوب الله عليه)، وبقي أبو لبابة مقيّداً ستة أيام، وكانت زوجته تأتي إليه، وتفكّه للصلاة، ثمّ تربطه من جديد، والألم الشديد يعتصره، وقد تاب توبةً صادقةً وسريعةً إلى الله تعالى، فنزلت رحمة الله على أبي لبابة، وقُبلت توبته، وفي الصباح سُمع ضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ من شدّة فرحه بقبول توبة أبي لبابة، وقال: (لَقْد تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ)، فتسابق الناس إليه؛ ليبشروه بالتوبة، ويفكّوه، إلّا أنّه رفض أن يفكّه أحد غير رسول الله، ففكّ قيده رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عند صلاة الصبح، وتمّت توبته.[