مقال الأحد 7-7-2013

أحمد الزعبي..

إذا أردت ان تختصر شؤون الحياة وشجونها،وأن ترى وجهي الدنيا عند إقبالها وإدبارها..ما عليك سوى أن تجلس ساعة واحدة في "كاريدور" أي محكمة شرعية أو "تقرمز" بمحاذاة بائع الطوابع..


شاب يرتدي قميص أزرق سماوي "كم كامل" وبنطلون رمادي..يضع مسحات خفيفة من الجل على شعره ويتقمص دور الحكمة والحيوية في نفس الوقت ، هو من يقوم بتصوير الهويات ، وهو من يحشر رأسه عند المحاسب بخفّة، يتكلم بمنتهى الاحترام مع رجل خمسيني وفتاة خجولة تقف خلفهما وتعصر "محرمة" بيديها خجلاً وارتباكاً فتدرك ان القصة لن تخرج عن احتمال "عقد قران" ..وبعد ثوانٍ تسمع من غرفة المأذون الشرعي"صوت قبلة حادة".. لقد قبّل الشاب "أبو قميص سماوي" يد الرجل الخمسيني بعد "كتب الكتاب"..

سيدة ترتدي دشداشة مخمل لون أخضر تقف بصحبة شقيقها المتقاعد..تشيح بوجهها عن فريق ثانٍ يقف في الجهة المقابلة يتكون من سيدتين ورجل وطفل ..الحالة: (طلاق)..

شاب ثلاثيني ...يوشوش القاضي الشرعي ..والقاضي يهزّ رأسه باستياء ثم ينفخ ويحوقل..ويخرج ورقة صغيرة ويبدأ الكتابة فيها، بينما يحمرّ وجه الشاب من ردّة فعل القاضي ومن تمتماته المسموعة...الحالة: (قطع فتوى)..

شاربه الكثيف كان يردّ جزءاً كبيراً من الكلمات ويقف حائلاً أمام بعض الحروف الضعيفة من الخروج، يمعن النظر في وجه سيدة عشرينية لا تلقي له بالاً..بل تجيبه بمزيد من مضغ العلكة ، وتهز ركبتها اليمنى على المقعد الطويل..ملخّص الحالة على ما يبدو : (عقد ومهر جديدين..).

أما اذا رأيت أربعة رجال وامرأتين (أم وابنتها) ينتابهن الحزن والانكسار..فالمعاملة : (حصل ارث، أو تنازل عن حصص)..

صعود سيدة أربعينية الدرج ببطء وتثاقل ووضع اليدين على الخاصرتين عند آخر درجة ثم التنهد بعمق..والكلام مع النفس ( الله يمرمرك يا قاسم..مثل ما مرمرتني)..فاعرف ان هذه الدعوة خاصة وحصرية في المراجعة بــ (النفقة)..



أما إذا سمعت من غرفة الديوان صوتاً أنثوياً عالياً مشبعاً بالانتقام يردّد عبارة غالباً ما تتكرر في أروقة المحاكم الشرعية: "حفاية وشلحتها من رجلي" .فتأكد أنك على مقربة من واقعة "خـُلـع" طازجة..

**

لا أدري لماذا صرت أشعر ان الوطن العربي تحوّل الى محكمة شرعية كبيرة..شعوب تخلع أنظمتها، وانظمة تعقد قرانها على شعوب ،وأنظمة تطلب "النفقة" من الشعوب ، قيادات استعجلت رحيل نظامها وبدأت بإجراءات "حصل الإرث" و تنازل عن الحصص.. وزعامات أخرى تطلب بــ"فتوى" للرجوع الحلال، شعوب طلقّت أنظمة استحال العيش بينهما ..ثم ما لبثت أن أعادت عقد قرانها عليها (بعقد ومهر جديدين)..السياسة في الوطن العربي لا تعدو ان تكون "إجراءات محكمة شرعية".. العاقد والمطلق يدفعان الرسوم على حدّ سواء... والتاريخ "الشاهد" الوحيد على ما يجري من معاملات "سياسية"..


ولا أحد ربحان سوى.. بيّاع الطوابع ..