الحـــــالم الصغير


د . حجازى سليمان




كنتُ مُسرعًا بسيارتي عقبَ خُروجي مِن عِيادتي لزيارة مَريضٍ في الطَّريق إلى منزلي يُعاني من حالةٍ صحيَّة حرِجة، وكان الجوُّ ممطرًا، وحينما انطلقتُ عقب الضوء الأخضر في إحدى إشاراتِ المرور إذا بسيارةٍ أخرى قادمة في المعاكسِ تقتربُ منِّي بسرعةٍ مخيفة، وفجأة لم أدرِ ما حدث، ولكنني استيقظتُ بعد مدة من الوقتِ على سريرٍ في مكان لم أكتشفْه بسرعة برغم عملي بأماكنَ شبيهةٍ به، ولم يكن تحديد المكان هو كل مشاكلي التي فاقَها عدمُ فهمي لعجزي عن تحريكِ قدماي وذراعاي، فقلتُ ربَّما أحد الكوابيس التي اعتادتْ مغازلتي، ولكنْ سُرعان ما دخل عاطف - مُساعدي وصديقي - الغرفةَ، وقد علا وجهه الضيق والحزن والألم؛ ما جعلني أستيقظُ من أحلامِ يقظتي لأعي بأنَّني في أرضِ الواقع، وأنَّني بالفعل قد فقدتُ القدرةَ على الحركة!

كانت الكلماتُ تردَّدُ على مسامعي بيد أنني لا أسمعُها، والأحاديثُ تُتداول ولكنني لم أكن معها، يا للهول!! هل أُصبتُ بالشَّلل؟ هل سأظلُّ حبيسًا لمقعدٍ طوال عمري أنتظرُ من يقودُني إلى شرفتي أو يحملني إلى فراشي، أو يغسلُ لي وجهي، ولماذا أعيشُ تلك الحياةَ القاسية؟ ومَن الذي فعل بي ذلك؟ وكيف أنتقمُ منه؟ لا أدري ماذا أفعل، ولم سأعيشُ وكيف سأواصلُ حياتي!! بل ليكنِ الموتُ راحةً لي ولجميع من حولي.

وامتنعتُ عن الطَّعام، ورفضتُ تناولَ الأدوية والمسكِّنات، وقرَّرتُ الاستسلامَ قُبيل خوضِ المعركة، ويئِس جميعُ أهلي وأقاربي من شفائي، وفي أحدِ الأيام التي شارفتُ فيها على الموت من كثرةِ الإعياء وقلةِ الغذاء وعدمِ تناول الدَّواء تردَّد بعضُ أقاربي على غرفتي، ربَّما لزيارتي أو لوداعي أو أيًّا ما كانت نيتُهم، حينما لمحتُ بينهم طفلاً صغيرًا لا يكاد يتجاوزُ العاشرةَ من عمرِه، تبدو عليه علاماتُ الفراسة، وقد ظننتُ في البداية أنَّه ابنُ أحد أقربائي، ولكن حينما رأيتُه مراتٍ أخرى مصاحبًا للأطباء فطنتُ أنَّه رفيقٌ لي في المشفى، ولكن لم يبدُ عليه أيٌّ من علاماتِ المرض، فسألتُ طبيبي عنه، فإذا بالطِّفل يردُّ مقاطعًا: أنا يوسف، وأنت؟ فلم أرد، فأجاب بسرعةٍ: أنت عمي آدم، وقد علمتُ بأنَّك لا تأكلُ وأنَّك ترفضُ الدَّواء، ولكن هذا شأنك، أما إذا قلتُ لك بأنَّ كلبَك الوفيَّ يرفض الطَّعام هو الآخر منذ مدة فماذا ستقول؟

وقع كلامُ الفتي منِّي في موضعٍ شعرت معه بالصَّدمة، ولكنَّني لم أُبْدِ ذلك، فهرول الفتى إلى الخارج ليعود مسرعًا ومعه الكلب وكذا طعامه وطعامي تحمله الممرِّضة، ووضع يوسفُ طعامَ الكلب أمامَه، ولكنَّه لم يقتربْ منه، فنظرَ يوسفُ إلىَّ بعمق، ثُمَّ التفت مرةً أخرى إلى الكلب وكأنَّه يقول لي: ما ذنبُ من أخلص لك وكان وفيًّا في أن تؤذيَه بعنادِك ويأسِك؟ ألا يفترض أن نضحِّي حتَّى بآلامِنا كي نسعدَ غيرَنا؟ وقتها رقَّ قلبي وتخليتُ عن عنادي، وبخاصةٍ أنَّ شقاوةَ ذلك الصَّبي الصَّغير كانت تملأ أركانَ المشفى بأطبائِه وممرضاتِه وعماله وصيادلته وكلِّ من يدخله؛ لروحِه المرحة التي يضفيها على الجميع، حتَّى إنَّك لا تكادُ تشعرُ بطفولتِه من كلامِه، وإنَّما من هيئته البريئة، ثُمَّ أشرت إلى الممرضة لتقرِّبَ من فمي كوبًا من العصير وحينها نهض الكلبُ وشرب هو الآخرُ حليبَه، فارتفعَ يوسفُ في الهواء فرحًا وأقبلَ عليَّ يقبلُني كما الابن مع والده.

وخلال الأيام القليلة التالية أخبرني يوسفُ بأنَّه برفقةِ أخته فاطمة، التي تقيمُ في إحدى الغرف المجاوِرَة لمعاناتِها من مرضٍ خطير، وحينها أطرقتُ بفكري بعيدًا وحملتُ همومَ الدُّنيا؛ لأنَّني كنت أتابعُ بحثًا كان على وشك الانتهاء قُبيل وقوعِ الحادث والذي يهدفُ إلى معالجة الخلايا السَّرطانية، وهو المرضُ ذاتُه الذي تعاني منه فاطمة شقيقةُ يوسفَ على ما أخبرني وأخبرته، وحينها شعرتُ بأنَّ يوسفَ قد تنفَّسَ الصُّعداء، وكأنَّه هو مَنْ يعاني من المرض لا أخته؛ حيث ألَحَّ بأنَّه ينبغي أن أكملَ ذاك البحث، ولكي أفعلَ ذلك عليَّ أن أتماثلَ للشفاء بسرعة، فأبديتُ له ابتسامةً خفيفة مردِّدًا: إن شاء الله.
بيد أنَّ الوضعَ كان أكثرَ تعقيدًا، حقًّا أخبرني الأطباءُ بأنَّه من الممكن أن أتحسَّن، ولكن العودةَ إلى حالتي السَّابقة أمرٌ صعب للغاية، ولكنْ كانت المفاجأةُ أن أجدَ الفتى الصَّغيرَ يخرجني من حواري الذَّاتي وكأنَّه يشاركني فيه بقولِه: الأمرُ صعب ولكنَّه ليس بمستحيل، ولنفعلْ ما علينا وليكنِ الله عوننا على الباقي، فأطرقتُ برأسي دلالةً على الموافقةِ المتردِّدة، تلك التي قاطعها شخصٌ أعرفُه جيدًا، أذكر أنَّه آخرُ من رأيتُه مباشرةً قبيل دخولي في غيبوبة ما بعد الحادث، نعم إنه ذلك السَّائق الذي كبَّدني ما أعانيه، فأشحتُ بوجهي عنه، وإذا به يقتربُ منِّي ولم يفعل سوى البكاء، ثُمَّ مال على يدي السَّاكنة يقبِّل فيها ويرجوني أن أسامَحَه من أعماقي، فنظر يوسف إليَّ وإلى الباكي ثم انزلقت العبرةُ على وجنتَيْه حينما رأى أصابعَ يدي تتحرَّك في استجابةٍ طبيعيةٍ وردِّ فعل لا إرادي لتهدئة ذلك الرجل وطمأنته، وتحوَّلتْ دموعي ودموعُ يوسفَ إلى فرحة مما قد يحمله المستقبلُ من خيرٍ، حينها تعلَّمتُ من ذاك الفتى أنَّ بعضَ آلام الغيرِ قد تكون عونًا لنا على تخطِّي صعابنا الخاصَّة، وتزامن العلاجُ الكيميائي مع العلاج الطَّبيعي، ولكنْ كان ينقصني الإرادةُ التي تحول العجزَ والشَّللَ إلى الحركةِ والعافية، فوجدتُ يوسف - ذات مرةٍ، من مراتٍ كثيرة - واقفًا أمام النَّافذة يصفُ لي كلبًا يحاول القفزَ عبر قناة مائية للحصول على الطَّعام بالجهة الأخرى من تلك القناة، ولكنَّه فشلَ في المرة الأولى ثُمَّ تردَّدَ ثم عقد العزم ثم تردد - كل ذلك ويوسف يحكي بصوتٍ مرتفع تارةً ومنخفضٍ تارةً أخرى، وكأنَّه يعلِّق على مباراةِ كرة يتغيَّر فيها الأداءُ - ثم عاد إلى الخلفِ وانطلق بسرعةٍ وقفزَ إلى النَّاحية الأخرى وحصل على طعامِه، وحينما التفتُّ إلى يوسفَ كنت قد تأثَّرتُ بكلامِه، وبما يحاول الكلبُ الذي يصفه حتَّى صعب عليَّ حالي وقررتُ المجاهدةَ لرفع يدي تزامنًا مع وصف يوسف لقفزةِ الكلب والتفاته إليَّ، فارتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه وهلَّلَ مرةً أخرى في أجواء الحجرة، ومن وقتها وحركة ذراعاي تتحسَّنان بالتَّدريباتِ اليومية والمواظبة على الأدوية وإرشادات الأطبَّاء.

ثُمَّ لاحظتُ في أحد الأيامِ تغيُّرَ وجهِ من تردَّدَ على حجرتي من العاملين بالمشفى، بحيث عكس وجومُهم حالةً من الإحباط التي لم أعان منها منذ دخولِ يوسفَ فيها، فسألتُ بسرعة عن يوسف، فأجابوني بأنَّه وأختَه عليهم الرَّحيل؛ لأنَّهم لم يسدِّدوا ما عليهم من نفقاتِ الإقامة بالمشفى، فنظرتُ بعمقٍ إلى تلك النَّافذة التي لم أرَ ما خلفَها حتَّى هذه اللَّحظة سوى بعيون يوسف، وأخبرتُ على الفور إدارةَ المشفى بأنْ يحوِّلوا أيَّ حساب قديم أو جديد لغرفة يوسف على حسابِ غرفتي، وحينما علم الصَّبيُّ الصَّغير هرعَ إلى حجرتي ووقف على بابِها يتأملني والدُّموع قد اغرورقت في عينيه، فرمشتُ له فسارع بالقُدوم وارتمى بين أحضاني قائلاً: ما أجملَك يا عمِّي، وقتها تعلَّمتُ درسًا آخر من ذلك الفتى الجميل، الذي امتلأت روحُه بتحدٍّ من نوع يعجز الرِّجال الأشداءُ على التحلِّي به في أصعبِ المواقف.

ولم يفت الكثيرُ حينما وجدتُه يناديني من بعيد وبرفقته طاقمٌ من أطباء المشفى: يا عمي، عليك بتقديم المساعدة العاجلة لأحدِ المرضى الذين يعانون من أزمةٍ صحية لها عَلاقة بتخصصك يا دكتور آدم، فاندهشتُ مردِّدًا بسرعة: وهل تراني أقدر على ذلك وأنا جالس بلا حِراك؟ فردَّتِ الطَّبيبة بسرعة قائلةً: إنَّ حالة المريضةِ الوافدة سيئةٌ والطَّبيب المتخصِّصُ بعيد عن المشفى في الوقت الحالي، ولن تتحمَّلَ الانتقالَ إلى مشفًى آخر لحرج حالتها، وعليك أن ترشدَني فقط من غرفتك هنا وعبر الشَّاشات لما ينبغي أن أقدِّمَه.

فقلتُ بأسفٍ وبنبرة يائسة: لا أستطيع ذلك، وقبل أن أكملَ كلامي قاطعني يوسف بانفعالٍ يغلِّفه الحنوُّ والرِّقة: وماذا لو تعرضتُ أنا لتلك الأزمة يا عمي؟ فهل سترفضُ مساعدتي وتسمع صراخَ ألمي مدَّعيًا أنَّك عاجزٌ عن مساعدتي؟ هل ستنام في سلاسةٍ وغيرك يعاني من سكرات أنقذَك غيرُك منها في مواقفَ مشابهة؟ هل ستصفو لك الحياةُ وأنت ترفضُ تقديمَ المساعدة التي سبق وقُدِّمتْ لك ولغيرِك مئات المرَّات بحجة عجزك عن ذلك؟

كانت كلماتُ الفتى غاضبةً ولكنَّها لمستْ أوتارَ قلبي مباشرة، فقلت بحزم: جهِّزوا لي الشَّاشات، ولتكوني يدي أيتها الطَّبيبة الشَّابة، وتابعتُ معها الجراحةَ وأرشدتها إلى ما يجب عليها فعله، ونجحتِ الجراحة وتراقصَ الجميعُ فرحًا وامتلأتْ رُوحي بالثِّقة، كلُّ ذلك ويوسف لم يرفع عينَه عني في تدقيقٍ يخالطُه الإعجابُ بالدَّهشةِ والقوة والعطف والحنو، فنظرتُ إليه ونظرَ إلي، وعلمتُ بأنه يودُّ إخباري بأمر، وحينما دفعتُه للكلام أخبرني بأنَّ عليه الذهاب للبيت لفترةٍ قليلة لمتابعة اختبارات مدرستِه، وأنَّه سيعودُ حينما تنتهي، فدعوتُ له بالتَّوفيق، وأخبرتُه قبيل رحيلِه من الغرفة بأنَّه حينما يعودُ سيجد مفاجأتان، فقال: حقًّا يا عمِّي؟ أأعتبرُه وعدًا، فأومأتُ برأسي قائلاً: نعم، وعدٌ يا يوسف، ثم توارى يوسفُ بابتسامته مع إغلاقه باب الحجرة.

وتابعتُ علاجي بشقَّيْه، وامتلأتْ رُوحي بالنَّشوة والإصرارِ على الشِّفاء قبيل عودةِ يوسف، وفي الوقتِ عينِه طلبتُ من عاطف إحضارَ كافَّةِ البيانات والمعلومات والمصادر والمراجع التي كنتُ قد هجرتُها في بيتي عقبَ تعرُّضي للحادثِ وذلك للمفاجأة الثانية؛ حيث قرَّرتُ متابعةَ بحثي عن علاج الخلايا السَّرطانية، وبالجدِّ والعزم تحسنتْ ذراعاي وبالتدريج وقفتُ على قدماي لأولِ مرة، ولكنَّني لم أقو على السَّيرِ عليها سوى فيما بعد مع المواظبةِ على التَّمارين والعلاجِ الطَّبيعي، ثم حدثتِ المفاجأة بتقدُّمي في بحثي ونجاحي في الوصولِ لكيفيةِ علاج السَّرطان، وبسرعةٍ رفعتُ سماعةَ هاتفي وطلبتُ عاطفًا وأخبرتُه بما وصلتُ له، وأن يحضرَ على وجه الفَوْر، واستدعيتُ الممرِّضةَ وأخصائي العلاج الطَّبيعي، وطلبتُ منهم مساعدتي على النُّهوض، ثم تحركتُ على قدماي بمساعدةٍ بسيطة منهم، وكان همِّي الوحيد في الوصول للشُّرفة التي كانت رمزًا لوجود يوسف في حياتي، ثم فتحتُ الستارة بهدوء، وببطء شديد رفعتُ بصري ووجَّهتُه نحوها، ثم سُرعان ما تحولَتْ نظرةُ اللهفة إلى امتعاض وضيق، لقد وجدتُ حائطًا عاليًا يكاد يسدُّ النَّافذة ويحجب رؤيةَ ما خلفها، فصرخت وقلت: متى بني هذا الحائط؟ فقالوا لي: هو هنا قبل حضورِك بكثير، فقاطعتُه بسرعة: كذب، كانت هناك قناةٌ مائية، وهنا كذا وهنا كذا، هذا ما أخبرني به يوسف، نعم يوسف! ولكن لِمَ لَمْ يعد حتَّى اللحظة؟

هنا دخل عاطف الغرفةَ محاولاً تهدئتي، وكان من الممكن أن أستجيبَ له لو أنَّ نظراتِ من حولي ساعدتني على ذلك، ولكنَّني شعرتُ بانقباضٍ شديد وتسارعتْ دقاتُ قلبي نحو أمرٍ مجهول، فسألتُ مرة ثانية: أين يوسف؟ فأجابني عاطف بأنَّ يوسف كان مريضًا ولم يكن مرافقًا، وأنَّ شقيقته هي التي كانت ترافقُه، وأنَّ ليلةَ أمس كانت الأخيرة له في المشفى، وأنَّه قد فارق الحياة وسوف يتسلَّمُ والديه جسدَه خلالَ لحظاتٍ قليلة، ولم يكد ينهي كلامَه حتى حضرَ والدُه وأختُه وبعض أصدقائه، وسمعتُ من والدِه بأنَّ يوسفَ كان يرغب في أنْ أتماثلَ للشِّفاء كي أنجحَ في إكمالِ بحثي وأعالجَ مرضى السَّرطان، وأنه كثيرًا ما عوَّلَ على نجاحي في ذلك، حقًّا كان يوسف مريضًا به ولكنَّه لم يكن يفكِّر في علاجِه شخصيًّا بقدر ما فكَّر في كثير من الآباء، الذين تتقطَّع قلوبُهم من الحزن والألم وهم يرون أولادَهم يتآكلهم ذلك المرضُ اللَّعين، ولكي لا أفقد العزمَ فقد حرص يوسفُ على أن لا أقابلَ والدَيْه طوال ترددهم عليه، وكذلك أصدقاءه، بل وشقيقته فاطمة كي لا أكتشف الحقيقةَ منهم.

ثم مرَّ يوسفُ على خاطري بوجهه الطُّفولي البريء وشخصيتِه المرحة الواعية، وهو يحثُّني على التَّماسك والصُّمود وعدم اليأس، بل وضحكاته وهمساته ونظراته وابتسامته الرَّقيقة، وقاطعتْني أختُه وهي تعطيني ورقةً كانت آخرَ عهدِ يوسفَ بي، يخبرني فيها: عمِّي، طالما تقرأ هذه الكلمات فلا شكَّ أنَّني وأنت في عالمين مختلفين، وأرجوك لا تحزن، فلم أتعمَّد الكذبَ ولم أسعَ إليه، وإنَّما حجبتُ عنك الحقيقةَ فحسب، ومؤكَّدٌ أنَّ المفاجأتين هما وقوفك على قدميك وسيرك، والثَّانية إكمالُك لبحثِك، أليس كذلك؟ (فقلت: نعم، والدُّموع تملأ عيني والألم يعتصرني)، إذا كان الأمرُ كذلك يا عمي فعزائي أنَّ الآباء لن يبكوا ثانيةً مثلما فعل والداي، هذه كانت رسالتي في الحياةِ يا عمي، أن أكونَ وسيلتَك لإنقاذ أرواح الآخرين، وهذا آخرُ ما أقولُه لك: أنت لم تفقدني ولن تفقدني وستراني في عينِ كلِّ طفلٍ ستعالجه، سلام يا عمي.
لقد كان يوسفُ رسالةً أدَّتْ غرضًا ساميًا؛ لأنَّ التضحية التي قدَّمها أنقذتْ آلاف الأرواحِ التي عانت مما عانى منه، فهذه رسالتي مع يوسف لمن يضحِّي بروحِه كي تحيا آلافُ الأرواح، ويتألم كي لا يتألم غيرُه ويبكي حتَّى يسعدَ غيرُه.