صباح الورد







يصادف السابع عشر من أكتوبر هذا العام الاحتفال باليوم العالمي للفقر، وهو اليوم نفسه الذي تجمع فيه ما يزيد على مائة ألف شخص في ساحة تروكاديرو بباريس تكريماً لضحايا الفقر المدقع والعنف والجوع عام 1987. ولعل ذلك هو ما جعل الأمم المتحدة فيما بعد تربط في احتفالها بهذا اليوم المهم بين الجوع والفقر وأهمية تحقيق السلام وفقاً لعنوان احتفاليتها عام 2012 "القضاء على الفقر المدقع: تعزيز التمكين وبناء السلام".فالقضاء على الفقر لن يتم فقط من خلال المعونات وإتاحة فرص عمل مستقرة ومجزية، كما أنه لن يتم أيضاً من خلال ضمان المسكن والصحة والتعليم، لكنه، بالإضافة إلى ما سبق، يجب أن يحدث بالتضافر مع الأمن السياسي وضمان تمكين الفقراء لمستقبلهم وحياتهم. فالكثير من الدول استطاعت مقاومة الفقر وتحقيق مستويات اقتصادية لشرائح واسعة من السكان، لكنها لم تستطع أن تضمن الاستقرار السياسي لمواطنيها في ضوء الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية التي تشهدها، وهو ما يؤدي إلى تقويض الاقتصاد والعودة مرة أخرى بالسكان إلى دائرة الفقر المدقع وما يرتبط به من انهيار قيمي وأخلاقي.لقد حددت الأمم المتحدة لنفسها ثلاثة أهداف من أجل القضاء على الفقر المدقع والجوع تمثلت في: تخفيض نسبة السكان الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار وربع إلى النصف في الفترة ما بين 1990 و2015، وتوفير العمالة الكاملة والمنتجة والعمل اللائق للجميع، بمن فيهم النساء والشباب، وأخيراً تخفيض نسبة السكان الذين يعانون من الجوع إلى النصف في الفترة ذاتها.ورغم الإنجازات المهمة التي تحققت فلم يزل 1.2 مليار نسمة يعيشون في فقر مدقع، كما أن الفجوة بين الجنسين في مجال العمل مازالت متسعة، وحوالي 870 مليون شخص يعانون من نقص التغذية على الصعيد العالمي، وأكثر من 100 مليون طفل تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية ونقص الوزن.ويأتي اليوم العالمي لمناهضة الفقر هذا العام في ظل ظروف اقتصادية كونية بالغة الصعوبة؛ فمن ناحية تصارع الولايات المتحدة أزمة الدين الخاصة بها، في ظل التأكيد على أن الوصول إلى حل فوري سوف يؤجل الكارثة الاقتصادية الكونية القادمة لا محالة لأجل غير مسمى. كما أن أوروبا تصارع هي الأخرى من أجل البحث عن استقرار اقتصادي منذ أزمة عام 2008، والتأثيرات الناجمة عنها على كل من اليونان وأيرلندا وأيسلندا وأسبانيا والبرتغال.ورغم النمو الاقتصادي الكبير الذي تحققه العديد من الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا، فإن الانكماش العالمي قد لعب دوراً كبيراً في تقييد نجاحات هذه الدول الاقتصادية، كما أن الكوارث الاقتصادية والمالية المتلاحقة كونياً كبحت طموحاتها وجعلتها تنأى بنفسها عن أية مخاطر كونية جديدة.وأخيراً فإن خريطة الشرق الأوسط لا تحمل صورة مبشرة، فالنتائج المخيبة للربيع العربي انعكست بدرجة كبيرة على الأوضاع الاقتصادية، وأدت إلى ارتفاع نسب الفقر في العديد من هذه الدول. ففي مصر على سبيل المثال، كشف جهاز التعبئة والإحصاء أن نسبة الفقراء قد ارتفعت بدرجة كبيرة وصلت إلى 25.2% هذا العام، كما أن نسبة الفقر الغذائي قد بلغت 6% في عام 2009 وتراجعت إلى 5% في 2011، كما يحدد الجهاز ارتفاعاً كبيراً في نسبة الفقراء في صعيد مصر وصلت إلى 51%.لا تقف مخاطر الفقر فقط عند الجوع والحرمان، لكنها تصل إلى النيل من الكرامة الإنسانية بما يؤجج المزيد من الأحقاد وكراهية الأثرياء والرغبة في النيل منهم. ففي المجتمعات التي تحافظ على الحدود الدنيا لكرامة المواطن يندر أن نجد توترات سياسية واجتماعية، أما تلك التي تتعمق فيها الفجوة بين الفقراء والأغنياء فإن الاضطرابات والفوضى تصبح هي النتيجة الطبيعية لهذا التكلس الطبقي. حدث ذلك في مصر، كما حدث في تونس، ويحدث الآن في سوريا.من الضروري ونحن على أعتاب الاحتفال باليوم العالمي لمناهضة الفقر أن تعي الحكومات العربية أهمية خلق مظلة تأمينية شاملة من أجل تحرير الفقراء من فقرهم، وضمان الحد الأدنى للحياة الإنسانية الكريمة.ولا يعني هذا تفضلاً من تلك الحكومات على مواطنيها بقدر ما يعني بالأساس ضرورة تمكين المواطن ليومه وغده، ليس تأميناً عابراً يخفف من حدة الاضطرابات والضغوط على تلك الحكومات، لكن تأميناً راسخاً ومستقراً يضمن للمواطن العربي العمل والمسكن والغذاء والأمن السياسي والاجتماعي. فبدون أن يأمن الفرد اجتماعياً وسياسياً ستظل الدول العربية تعاني من ويلات الاضطرابات ومخاطر الثورات؛ فليس بالطعام وحده تسعد الأفواه، وليس بالسياسة وحدها تطمئن العقول!!

منقول