كتبهاحيان حسن ، في 20 نيسان 2007 الساعة: 21:54 م

جهود فردية أسست
لبدايات المسرح العربي
مارون النقاش قدم أول عرض مسرحي عام 1848 في منزله ببيروت0و بفرقة من الهواة قدم يعقوب صنوع عروضه داخل مشرب في حديقة الأزبكية بالقاهرة 0بدايات عروض اسكندر فرح المسرحية في حديقة عامة بدمشق 0والقباني استقبله المصريون بمسرح خشبي بني له خصيصا بالعتبة الخضراء بالقاهرة عام 1883 بدايات المسرح العربي انطلقت من سوريا ولبنان الى مصر .
بدأ التمثيل العربي متواضعاالى أبعد الحدود ، وكانت بداياته بسيطة لامراعات فيها لقواعد الفن ، ولا نستطيع أن نجزم بوجود أدب مسرحي في الأدب العربي القديم ، بل على العكس يمكننا القول بوجود عوائق دون تطور هذا الفن ، لسنا بصدد الحديث عنها الآن، أما الظواهر التي تستحق الوقوفعندها والمتعلقة ببدايات هذاالمسرح في الوطن العربي ، تلك التي ارتبطت بأسماء أسست وبجهد فردي لقيام فن مسرحي فيه من المغامرة الكثير، ومن القناعة والرغبة والأصرار ما هو ملفت للنظرحقا ،كونها كانت مغامرة حقيقية أثبتت وجودها باستمراريتها من جيل لآخر، وبتطور ملحوظ حتى وقتنا الراهن ، اولى تلك المغامرات انطلقت من سوريا ولبنان ومن بيروت ودمشق بالتحديد ، على يد (مارون النقاش) وجماعته و(أبو خليل القباني ) وفرقته الى جانب تجربة( يعقوب صنوع) الرائدة في مصر ، على يد هؤلاء كانت البدايات المسرحية في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، حيث برز (مارون النقاش1817- 1855)0 الذي نقل الى بيروت رواية البخيل لموليير بشيىء من التصرف ، ولم يكن هناك مسرح ولافرق مسرحية ولا حتى جمهور للمسرح ، فجمع نحوه بعض الأصدقاء والأقارب ، وجعل من منزله انطلاقة أول عمل مسرحي عرفه تاريخ المسرح العربي في البدايات،وأخذ يدرب ويعلم هذا الفن الجديد ،والذي كان قد تأثر به من خلال وجوده في أيطاليالسنوات عديدة ، ثم قدم عرضه لأول عام (1848) بحضور قناصل الدولة وأعيان بيروت ، وتناقلت جرائد أوروبا أخبارهذا العرض ، وفي عام( 1850) قدم أيضا أمام والي سوريا عرضه الثاني المسرحية التي ألفها بنفسه / أبي حسن المغفل/ في منزله ، وكان هذا الرائد المسرحي متعدد المواهب، فهو الذي ألف ولحن النصوص الغنائية التي أدخلها الى عروضه المسرحية 0ثم انتقل هذا المسرح الى جوار بيته لاتساع دائرة الحضور والأقبال على هذا الفن الجديد والجميل والممتع ، الا أن تجربة هذا الرائد المسرحي لم تنضج ولم تستمر طويلا لأن الموت اختطفه قبل أن يكمل هذا المشوار وهو في ريعان الشباب ، ولكنه زرع أول بزرة للنشاط المسرحي في أزهان الكثيرين ممن أحبوا هذا الفن الجديد الوافد اليهم فتوجهوا للأهتمام به الى جانب الفنون الأدبية الأخرى 0 وكان ممن تأثربمارون النقاش وتابع تجاربه المسرحية أبن عمه (سليم النقاش) المتأثر بالنزعة الأيطالية التي ورثها عن التجربة السابقة ، فقام بنقل هذه التجربة الى مصر بالتعاون مع مجموعة من المهتمين والمتابعين، منهم (أديب أسحاق ) المتعدد المواهب والذي عمل في الأدب والسياسة والصحافة و( يوسف خياط) الذي اشتهر بتمثيل أدوار السيدات، ويعتبر سليم النقاش من المجددين الذين وفدوا على مصر من لبنان مع اسحاق ونجيب حداد الذي ساهم مع خليل مطران في نشر الصحافة اللبنانية في مصر 0 وهكذا تكون بدايات مارون النقاش قد امتدت الى مصر للمساهمة في صناعة المسرح العربي ،وان الغرسة الأولى للمسرح العربي في مصر كانت بالأنامل اللبنانية السورية 0وكانت هذه الفرقة اولى الفرق التي تأتي الى مصر من سوريا ولبنان حيث كانت قد توقفت تجربه هامه هناك على يد الرائد المسرحي (يعقوب صنوع 1839- 1912 ) وهو مؤلف مسرحي وصحفي تعلم في مصر ثم في أيطاليا ، وبرز اهتمامه ونبوغه في سن مبكر ، ألف أعمال عديدة للمسرح وخيال الظل ، بأسلوب فكه ، ويعتبر يعقوب صنوع أنه أول من كتب للمسرح بالعامية ، وعمل في الصحافة ، وكان جريئا وواضحا لقي أعجاب الأعيان وعموم أفراد الشعب 0 عمل على تأليف فرقة من الهواة الذين تلقوا تعليما عصريا ، وقدم عروضه في مشرب بداخل حديقة الأزبكية ، ولما كانت عروضه تمثل حال الفقر والفقير وفيها تحامل على الخديوي نفاه الخديوي أسماعيل ، وبنفيه طويت صفحة من صفحات التمثيل على ضفاف النيل قبل أن تفد اليها الفرق الفنية من سوريا ولبنان 0 وكان يعقوب صنوع أول من فكر في (تمصير فن المسرح ووضع مسرحيات صميمية مصرية)0وتستمر الحالةالمسرحية العربية في التواصل والعطاء بجهود فردية مستمرة ،وكان عام (1881) حافلا بالنهضة التمثيليه وبرز فيها نجم الشاعر خليل اليازجي في التأليف المسرحي والأديب والخطيب المعروف عبدالله النديم ، كما وظهرت فرقة ( القرداحي ) التي أحيت حفلاتها على مسرح الأوبرا في القاهرة 0هذه البدايات الجادة في المسرح العربي والتي انتقلت من سوريا ولبنان الى مصر، لاقت تألقا ورواجا ونضجا على يد أهم المؤسسين المسرحيينالعرب ( أبوخليل القباني الدمشقي 1823 -1903 ) الذي نقل تجربتهالمسرحية من دمشق الى القاهرة عام 1883 ليؤسس لها عبد الرزاق عنايت مسرحا خشبيا على العتبة الخضراء بالقاهرة( مجلة الأجيالالعدد61لعام 1953)0وما ميز القباني عن غيره أنه كان متزوقا للأدب والشعر وصاحب مشروع ناضج استلهم واقتبس مواضيعه من التاريخالعربي والأدب الشعبي ، ولعلعه أول مؤلف عمد الى قصص ألف ليلة وليلة فصاغ منها دورا لمسرحياته بطريقة مختلفة عن تجربة مارون النقاش الذي اعتمدهذا الأقتباس أيضا ، أقام أبو خليل القباني في مصر سبعة عشرعاما ترك خلالها ثروة من الموشحات والروايات التمثيلية التي قام بتأليفها وتلحين أغانيها ، وقدم أول مسرحية غنائية على دار الأوبرا في مصر عام 1884 وهي رواية (الحاكم بأمر الله ) ، التي انطلق منها الموشح المشهور / برزت شمس الكمال من سنا ذات الخمار/0 ويعتبر أبو خليل القباني أول من دعم صناعة التمثيل بروايات عربية وأدخل فيها رقص السماح على ضروب الموشحات وأوزانها في سوريا ومصر 0 وكان من تلامذته الشيخ درويش الحريري وكامل الخلعي وكلاهماحجة في ألحان الموشحات ،ومن أعضاء فرقته وأحد تلامذته (اسكندر فرح ) وهو من أصل سوري تلقى تعليمه في دمشق بمدرسة اليسوعيين ، أدخل الغناءفيالمسرح العربي و لازم ابو خليل القباني فترة وعمل معه مديرا ماليا لفرقته ، ومارس نشاطه المسرحي من قبل في سابقة فريدة من نوعهاعندما قدم أول عرض له في حديقة عامة بدمشق بتشجيع من الحاكم التركي مدحت باشا ، ليؤسس فيما بعد فرقة خاصة في القاهرة أسماها( الجوق المصري ) ، استمرت في عروضها ثمانية عشر عاما ، وكان من أسرار نجاحه تقديمه مسرحية جديدة كل شهر تقريبا ، وأبرز من اشتغل معه( الشيخ سلامه حجازي 1852- 1917 ) زعيم الغناء المسرحي في مصر حتى عام 1916 ومجموعة من المترجمين والممثلين والمغنين 0 هكذا كانت الخطوات الأولىللمسرح العربي والتي انطلقت من بيروت ودمشق الى الأسكندرية والقاهره ، ولم تكن هذه الأسماء هي الوحيدة حيث برز أسم (فرح أنطون 1861-1922) المولود في طرابلس الشام ، والذي هاجر الى مصر وأسس مجلة (الجامعة ) وشارك في تحرير مجلة (الأهالي)، و (المحروثة )، واشتغل بالترجمة وتأليف الرواية ،حيث ألف أول رواية مصرية الشكل والمضمون بعنوان (مصر الجديدة) قدمها جورج أبيض عام 1912 ويعتبر فرح أنطون كما قال عنه ميشيل ديب بمقاله المنشور بمجلة الخمائل (التي كانت تصدر في حمص بالعدد11 لعام 1962 )( قمة في أدب نصف القرن التاسع عشر الثوري في لبنان وهو أهم الركائز التي قام عليها جسر الأنتقال من أدب جديد امتدت فيه روح القديم )0 ومن الأسماء اللبنانيه التي ساهمت في أحياءالمسرح العربي (الياس فياض) وهو من أشهر كتاب المسرح العربي معبداية نهضة مطلع القرن الماضي ، فقد ألف وترجم لسلامة حجازي وعبدالله عكاشة وغيرهم ،وكان يغلب على مؤلفاته الميلودرام 0 و (جورج أبيض 1880- 1950) الذي ولد وتلقى علومه الأولية في بيروت 0 أوفده الخديوي عباس الى فرنسا عام 1904 لدراسة فن التمثيل ، حيث تأثر هناك بثقافة فرنسية على يد أساطين الفن في باريس ، وبعودته اسس لأول فرقة للتمثيل العربي تقوم على أسس فنية سليمة ، قدم خلالها ثلاث مسرحيات معربة هي / أوديب الملك / تعريب فرح أنطون و(لويس الحادي عشر ) تعريب الياس فياض و(عطيل ) تعريب خليل مطران وكانوا من خيرة كتاب ذلك العصر0 وعن تأثير الأدب والفن السوري اللبناني بمصر يقول الشاعر محمد الحريري بمجلة الغربال اللبنانية (العددالعاشر لعام 1962) ( انّ شاعرا مثل خليل مطران أدى حق الأبداع الشعري الفني وكان الدليل القاطع على أن الفكر السوري اللبناني لو صح له أن يعيش في بيئة معقدة متناقضة ملونة كالبيئة المصرية لمثلها بدقة وطريقة ثقافية جديدة تختلف عن طريقة الأديب والشاعر المصري ) 0 ومع قيام الحرب العالمية الأولى انتهز جورج أبيض فرصة انقطاع الفرق الأوروبية عن القدوم الى مصر فقام بأحياء حفلات على دار الأوبرا بعد اندماجه مع فرقة سلامة حجازي ، واسنطاع أن يحدث ثورة حقيقية في المسرح العربي ، وأصبح يكوّن القطب الثالث في ثالوث المسرح العربي / سلامة وعكاشة وأبيض )0 و(أخوان عكاشة) هم ثلاث أخوة نجحوا في أحياء فن الأوبرا الغنائية ، كانو قد ظهروا على الساحة الفنية بعد موت سلامة حجازي ( هذا الفنان الذي عمل ثلاثين عاما علىالمسرح) 0 وتتابعت الأسماء الهامة في هذا المجال ، وتابع المسرح العربي في مصر نشاطه بفرق عديدة ، وكان معظم القائمين على هذه الفرق من أصل سوري أو لبناني ، أو ممن انشقوا عن جورج أبيض من المصريين كفرقة (عبد الرحمن رشدي) التي كان لها مكانا خاصا في فن الدرام، والذي أحدث ثورة في عالم التمثيل في زمن لم يكن ممثل مصري يحمل شهادة ، حيث درس الحقوق وعمل محاميا ، وكون عام 1917 فرقة تحمل أسمه قدم من خلالها مجموعة روايات للمسرح0 وفرقة الكسار، وفرقة (كشكش بيك) بطلها نجيب الريحاني الذي امتاز بأدواره الهزلية ، ثم في عام 1923 أسس يوسف وهبي وعزيز عيد مسرح رمسيس بعد تجارب سابقة ومضنية ، وكانت فاطمة رشدي من أبرز ممثلات هذه الفرقة ، والتي انفصلت عنها فيما بعد لتؤسس مع زوجها عزيز عيد (السوري الأصل ) فرقة مسرحية خاصة 0 هذه البدايات من تاريخ المسرح العربي الغني والحافل بجهود فردية استقطبت حولها اقلام مفكرين وكتاب كان لهم الفضل الكبيرعلى تعميق ظاهرة المسرح، ولو أنها في غالبيتها كانت متأثرة ( بالروايات )الأجنبية وتفتقر الى الكثير من مقومات الفن المسرحي ، الا أنها استطاعت فيما بعد أن تتجاوز هذا الواقع ، محاولة التحرر مبدئيا من الأقتباس، يقول يوسف وهبي للصحف الفلسطينية أثناء تقديم عروضه في فلسطين ، نقلا عن جريدة ( الجمهور ) العدد 179 لعام 1941 / ان المسرح المصري أو بالأحرى ( مسرح رمسيس ) قد تحرر من قيود المسرح الأجنبي ، ولم يعد بعد للرواية أو للأجنبي أية صبغة ممتازةعند الجمهور ) 0 والجدير بالذكر أن مصطلح لفظة (رواية ) التي كان يطلقها الرواد الأوائل (كالروايات التمثيلية ) لمارون النقاش ، أو (الروايات التشخيصية والغنائية) للقباني ، بقي مصطلحا شائعا للدلالة على المسرحالى فترة متأخرة حتى ما بعد بدايات توفيق الحكيم 0 يقول عدنان بن ذريل في مجلة الناقدالسورية بالعدد 24 لعام 1963/ أول لفظ مسرحية في الأدبالعربي الحديث كان قد ظهر مع توفيق الحكيم مؤخرا بعد أن استهلك لفظة رواية وقصة في بداية كتاباته ، حيث استخدم لفظة مسرحية في مؤلفاته وكتاباته وأطلقها على كتبه ، مثل (مسرحيات توفيق الحكيم) ثم بعد ذلك كتابات محمد تيمور التي ظهرت عام 1948 والتي عكس الدقة في استعمال المصطلحات والجهد للوصول الى تميزالأنواع الأدبية/0 وهكذا نرى أن لفظة رواية أو قصة بقيت ملازمة لهذا الفن قرابة مئة عام دون تمييزعن بقية الأنواع الأدبية الأخرى ، 0 ونظرا لما لاقاه هذا الفن من تحديات وصعاب واجهت رجالاته الناشطين له، خاصة في سوريا ولبنان ، نلاحظ كيف اضطر جميع هؤلاء المسرحيين من جيل الرواد بالرحيل الى مصر، لأن التمثيل فيهاكان ناشطا وتم التأسيس له ، ولكنه كان مقتصرا على الفرق الأجنبية التي استقدمها الخديوي أسماعيل عندما بنى لها( مسرح الكوميدي) بالأزبكية عام 1868، ثم( دار الأوبرا )عام 1869 ، وهكذا تكون البصمات الأساسية لفنالمسرح العربي قد انطلقت شرارتها الأولى من بيروت ودمشق والقاهرة في النصف الأول والثاني من القرن التاسع عشر ، على يد الرواد الأوائل النقاش ، وصنوع ، والقباني،وعلى يد من عمل معهم وتابع رسالتهم من بعد ليصبح هذا الفن في الوقت الحاضر حالة ثقافية متميزة ومتطورة تلقى التشجيع والدعم والمتابعة من قبل كافة الجهات المعنية، رسمية وغير رسمية ، ومن هنا تأتي أهمية رواد المسرح العربي الذين صنعوه بعرقهم ومالهم وجهدهم الخاص ، رغم كل الصعوبات والعراقيل التي كانت تعترضهم .